مجمع البحوث الاسلامية
167
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فلا بدّ من التّوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التّناقض عنهما . ولمّا كانت السّيّئة بمعنى البلاء والشّدّة مضافة إلى اللّه وجب أن تكون السّيّئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد ، حتّى يزول التّناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين . قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤوا ( فمن تعسك ) فغيّروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرّافضة من ادّعاء التّغيير في القرآن . [ وكانوا شرذمة قليلة انقرضوا ] فإن قيل : فلما ذا فصل تعالى بين الحسنة والسّيّئة في هذه الآية ، فأضاف الحسنة الّتي هي الطّاعة إلى نفسه دون السّيّئة ، وكلاهما فعل العبد عندكم ؟ قلنا : لأنّ « الحسنة » وإن كانت من فعل العبد فإنّما وصل إليها بتسهيله تعالى وألطافه ، فصحّت الإضافة إليه . وأمّا « السّيّئة » الّتي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى اللّه تعالى ، لا بأنّه تعالى فعلها ولا بأنّه أرادها ، ولا بأنّه أمر بها ، ولا بأنّه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه « السّيّئة » من جميع الوجوه إلى اللّه تعالى . هذا منتهى كلام الرّجل في هذا الموضع . ونحن نقول : هذه الآية دالّة على أنّ الإيمان حصل بتخليق اللّه تعالى ، والقوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين بالآية . إنّما قلنا : إنّ الآية دالّة على ذلك ، لأنّ الإيمان حسنة ، وكلّ حسنة فمن اللّه . إنّما قلنا : إنّ الإيمان حسنة ، لأنّ الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شكّ أنّ الإيمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة ، لأنّهم اتّفقوا على أنّ قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ فصّلت : 33 ، المراد به كلمة الشّهادة ، وقيل : في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ النّحل : 90 ، قيل : هو لا إله إلّا اللّه ، فثبت أنّ الإيمان حسنة . وإنّما قلنا : إنّ كلّ حسنة من اللّه ، لقوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثمّ حكم على كلّها بأنّها من اللّه ، فيلزم من هاتين المقدّمتين ، أعني أنّ الإيمان حسنة ، وكلّ حسنة من اللّه ، القطع بأنّ الإيمان من اللّه . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الإيمان من اللّه هو أنّ اللّه أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنه . وإلى معرفة قبح ضدّه الّذي هو الكفر ؟ قلنا : جميع الشّرائع مشتركة بالنّسبة إلى الإيمان والكفر عندكم ، ثمّ إنّ العبد باختيار نفسه أوجد الإيمان ، ولا مدخل لقدرة اللّه وإعانته في نفس الإيمان . فكان الإيمان منقطعا عن اللّه في كلّ الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ فثبت بدلالة هذه الآية أنّ الإيمان من اللّه ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة . ثمّ إذا أردنا أن نبيّن أنّ الكفر أيضا من اللّه ، قلنا : فيه وجوه : الأوّل : أنّ كلّ من قال : الإيمان من اللّه ، قال : الكفر من اللّه ، فالقول : بأنّ أحدهما من اللّه دون الآخر مخالف لإجماع الأمّة . الثّاني : أنّ العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة